من أجلِ صحافةٍ رائدةٍ

برأيي، إنّ كثيرًا من المفكّرين والصّحافيين العرب يسلّمون بكلّ ما تلفظه الماكينات الغربيّة كحقائق مُطْلَقة من دون أدنى مُقارعة أو مُقاربة نقديّة. هم بذلك يسلّمون سلفًا بوهم (التّفوّق الحضاريّ الغربيّ) ويعزّزون إحباط مجتمعاتهم وشعور مواطنيهم بالعجز والاستسلام. هم –كثيرًا- ما ينطلقون من وجهةِ نظرٍ غربيّةٍ لمعالجة شؤوننا كأنّ الأخيرة هي المعيار والهدف.
كلّما «دقّ الكوز بالجرّة»، يحملُ صحافيٌّ ما نفسه ويحطّ رحاله في واحدٍ من أفخم فنادق الدّول الغربيّة مرتميًا في أحضان الأجنبي بدلًا من أن يُدافع عن قناعاته وقضيّته ومبادئه من موطنه الأمّ. يُسوّغُ مُعظمُ الصّحفيّين القاطنين في الخارج تقلّص هامش الحريّة في مواطنهم، وينادون بها ثمّ يتباكون عليها من على المنابر والمؤتمرات؛ علمًا أنّ بعضًا منهم ربّما كان من أتباع هذا أو ذلك من المتنفّذين في وقتٍ ما؛ هذا إذا ما استثنينا احتمالات أنّ مساومات جرت على حساب الذّمم. برأيي، إنّ هذا النّوع من الصّحافيّين هو من عزّز إمكانيّات تهميش هذا القطاع وكبته بوساطة صنّاع القرار؛ فالحريّة حقّ يُنتزَع انتزاعًا بوساطةِ الصّدقيّة والنّضال، وليس حسنةً تُعطى كهديّةٍ من أحد.
أوردُ أمثلةً عن صحافيّين مثل: سليم اللّوزي، وغسّان تويني، وسمير قصير، وتوفيق مشلاوي، وماغي فرح… أصحاب رأي موضوعيّون ومتّزنون، أناس ذوو مبادئ وبصيرة، لا يتذبذبون في مواقفهم، ولا يبدّلون ميولهم بحسب الأجواء السائدة والمصالح والأنظمة.
لقد لاحظتُ أنّ كثيرًا من مفكّرينا وصحافيّينا المغتربين يتغنّون بسحر مواطنهم الأصليّة عن بعد بدلًا من أن يُسهموا في تغذية ذلك السّحر وتنميته. هم لا يغرزونَ جذورًا تُثبّتهم وتثبّت مواطنيهم في أوطانهم، بل على العكس من ذلك، هم يُسهمون في تصحير مواطنهم، وتعريتها من عناصرها البشريّة، والفكريّة، والماديّة. ويتباهى كثيرٌ منهم (بمعلوماتٍ) يستقونها من مصادر غربيّة (مُطّلِعة) غامزين –حرفيًّا- من أنّ «هذا ما ستؤولُ إليه الأمور» و «بحزمٍ لا يقبل الشّك»، (لكأنّ «مصادرهم» أكثر إلمامًا وإمساكًا بمسارات الأمور منهم!).
إمعانًا في التّسليمِ، يعمدُ كثيرٌ من مثقّفينا في بلدان الاغتراب إلى ربط أصغر التّفاصيل بالصّورة الأكبر، إقليميًّا ودوليًّا، ويرسمون الخطوط البيانيّة لتظهير مهاراتهم في التّحليل الاستراتيجي. ليس لديّ شكّ في أنّ تلك المصادر تُقهقهُ علنًا، وتتعجّبُ في السّرّ، عندما تُدلي لهم بمعلوماتها. أُصدقُكم القول إنّ معظم السّاسة يتّخذون الغالبيّة العظمى من قراراتهم تبعًا لردّات فعل عشوائيّة أقرب منها إلى «يا ربّ تجي في عينه»! مستغلّين ضعف، أو جهل، أو خوف الفرقاء المُقابلين. قليلًا جدًّا ما يفقه صنّاع القرار الأجانب شيئًا من جوهر الأمور، ولا يتفهّمون خصائص الشّعوب الثّقافيّة والتّاريخيّة الّتي يتدخّلونَ في شؤونها.
عندما يُصبحُ بعضاً من مفكّرينا وصحافيّينا المغتربين أصداءً للمصادر الغربيّة، فهل ثمّة من يشكّ في أنّ هؤلاء السّاسة سيُحاولون استغلالهم لدفع جداول أعمالهم، سواء بعلمٍ أو من غير علمٍ؟ هم بذلك يفسحون المجال للتّدخّلات الأجنبيّة، ويُسهمون في حصار دولنا والضّغط عليها بوساطة جماعات الضّغط (واللّوبيات) الغربيّة متغيّرة الأهواء والولاءات بحسب المصالح. فالشّركات الغربيّة بمعظمها تدمجُ خططَ إجهاضٍ في الخططِ والتقنيّات الّتي تُصدّرها إلى بلدانِ العالم المُختلفةِ، وهي بذلك تحرص، محقّةً، على مصالحها. فلطالما ما عمدت إلى تسويق تقنيّات معيوبة وخطط عملٍ مغلوطة ثمّ طرح بدائل عنها بعد أن قبضوا الأثمان. كذلك تفعل دور نشرهم؛ فهي بالإجمال لا تتبنّى قضيّةً ما إلّا خدمةً لغايةٍ أو تصفية حسابات مع نظامِ الحكمِ مثل ما يحدثُ الآن مع الرّئيس ترامب واستغلالها للأحداث الدّوليّة، أكانت محقّةً أم لا، لمحاصرته والتّركيز على انتقاده. هي كثيرًا ما تدعو إلى تغيير أنظمة حكم أو قطع الإمدادات الاقتصادية والعسكرية كوسائل ضغط على المُستهدفين منها، فللغلاة من صحافتنا (المُغتربة) أقولُ إنّ ترداد مقولات الصّحافة الغربيّة له أثمان تفوق برأيي الإيجابيّات.
على صحافتنا بذل مزيدٍ من الجهدِ لاكتساب ثقة شعوبها وقياداتها واحترامها أوّلًا، فمتى كانت آخر مرّة غطّت فيها وسائل إعلامنا أحداثًا عالميّة، مثل: أسباب الهجرة غير الشّرعية من بلدان مثل العراق، والصّومال، وأفغانستان… تغطيةً معمّقة تركت بصمتها في الرّأي العام العالميّ، أو حقّقت سباقات صحفيّة يُشهدُ لها بها، وتوجّهت لإيصال وجهات نظرنا بموضوعيّةٍ، واتّزانٍ، ومناقبيّة مهنيّة ومن دون أيّ محاباة، ومن دون الاتّكال على الوكالاتِ الدّوليّة للأخبار؟ أهناك ما يخدش العزّة الوطنيّة أكثر من تناول رئيس إحدى دول أميركا الشّماليّة وبكلامٍ تضمينيّ مسيء يصفُ به «مُندَسّين من الشّرق الأوسط وسط قافلة المهاجرين» الّتي تتّجه إلى حدودِ دولته الآن؟ أثمّة من اعترض أو أبدى ردًّا على الضّرر الذي يلحق بسمعتنا على صعيد الرّأي العام العالميّ؟ أثمّة أسوأ من تدخّل الغرب في شؤوننا الأمنيّة بغية تجفيف مصادر الهجرة وفرض وصايات علينا مثل إقامة مخيّمات أوروبّية لغربلة اللّاجئين على تُرابنا الوطنيّ أو في بلدان أفريقيّة، أو تسيير دوريّات خفر بحريّة مُقابل تلك الشواطئ؟
إضافةً إلى التّحليل في السّياسة، ثمّة أمورٌ تُساويها في الأهمّية أو حتّى أكثر منفعةً منها وتُصيب المواطن والوطن في الصّميم. يجب أن يكون لدينا إسهاماتٌ في الصّحافات المتخصّصة والاستقصائيّة في الاقتصاد، والاجتماع، والعلوم والقطاعات كافّة؛ فالمصداقيّة تُبنى تدريجيًّا بالعَرَقِ والتّضحيات، وتُكتَسب هيبتها من الجدارة والاحتراف والالتزام، والتقدّم لا يقتصر على السياسةِ حصرًا؛ فالاقتصاد والثّقافة أثبتا، وفي التّاريخ الحديث، أنّهما رافعتان للحريّة السّياسية كما تظهّر تباعًا في الصّين في العقد الحاليّ، وأوروبا الشّرقيّة ما قبل وما بعد سقوط السّتار الحديديّ سنة (1990). إنّ نجاح (الدّيمقراطيّة) في كوريا الجنوبيّة حدث بسبب النّمو الاقتصاديّ الّذي سبقها. الأمر ذاته حدث لإسبانيا واليابان؛ ولكن (الدّيمقراطيّة) ليست مضمونةً إلى الأبد حتّى في أكثر الدّول حريّة إذا لم تواكبها قيمٌ ومبادئ إنسانية يُستمات في الدّفاع عنهما. (الدّيمقراطيّة) هشّة، وهي قابلة للتّحلّل والاندثار كما يشهد عليه واقع الأمر في الولايات المتّحدة، والبرازيل حديثاً جداً. كلّ هذا مؤشّر على أهميّة ألّا يبالغ مثقّفونا وصحافيّونا بالتّشبّه بالغربِ وأن يجنحوا باللحاق به. أمّا إذا أصرّوا على ذلك، فالتصرّف بالمناقبيّة المهنيّة نفسها الّتي يتمتّع بها هؤلاء هو الأنفع: إنّ عددًا كبيرًا من الصّحافيين الأوروبيّين والأمريكيّين خاطروا -وما زالوا يُخاطرون- بحيواتهم لتغطية أخبار الحروب، أو لفضح الفساد أو المخاطرة بدخول السّجون فحسب بهدف الحفاظ على سرّيّة مصادرهم ومخبريهم.
(جوزيف بوليتزر) الّذي يُعدّ واحدًا من أهمّ الصّحافيّين في التّاريخ، عُرِّض للمحاكمة بتهمة التّشهير عندما كشفَ الفساد في حفر قناةِ باناما. هل الفرار أو الثّبات هو البديل الّذي يلجأ إليهِ الصّحفيّون الغربيّون عندما يتقصّون فسادًا في واحدةٍ من كبرياتِ الشّركات الدّوليّة الّتي لا تقلّ خطرًا وبطشًا على النّفوس من أدهى (الدّيكتاتوريّات)؟
لا أعني أن أحمّل الصّحافة والمثقّفين المغتربين كلّ أوزارنا؛ ولكنّها –ربّما- تُسهم في تغطية التّقصير والأخطاء بوساطة التّرداد، أو قصر النّظر، أو المحاباة، أو الخوف. هي مُخطئة في تخلّيها عن نشر الوعي وتحفيز الشّعور بالانتماء الوطنيّ والقوميّ؛ لذلك أعقدُ أهميّةً كبيرةً على دورها في تحفيز العقل الجماعي ونفح المسؤوليّة، وتزكية سياسات الثّواب والعقاب.
أحترمُ صحافتنا المحلّيّة وعمل صحافيّينا في حالاتٍ أدركُ صعوبتها وخطورتها؛ ولكن أنصاف الحقائق والتسليم ما عادا مُجديين -من وجهة نظري- ولأنّني أعرفُ العالم، ولأنّني أعرفُ أّن مثقّفينا أكثر قدرةً على العطاء، وأكثر صلابةً، أكتب مقالتي. فأنا متيقّنٌ من أنّنا قادرون على بناء مؤسّسات واعية وتصحيحيّة تضمنُ رفعة أوطاننا ومكاناتنا؛ ولكن هذه مؤسّسات لن تبني نفسها بنفسها، بل تتطلّب بُناةً مثابرين وعاقدي العزم.
إنّ أخطر ما يُمكن أن يفعله شعبٌ هو إهدار أعمار أجيال متتالية وإبقاء نفسه خارج الحضارة، فذلك وجهٌ من أوجهِ القتل الجماعيّ. أنا –قطعًا- من أشدّ مؤيّدي التّقدّم، والحداثة والحرّية؛ ولكنني أدعو إلى شقّ طريقنا الخاص، والإسهام بإغناء الحضارة الإنسانيّة بإسهاماتنا عوض الاكتفاء بالتلقّي والاستقاء من معين الغرب، واللّحاق بمن يقودنا إلى مصيرٍ سيِّئ مهما علا وكثُرَ عدد المصفّقين والمنتقدين والمشكّكين وضجيجهم بيننا. أمّا للمسلّمين بالتّفوّق الغربي وديمومته، فأقول: لست من الدّاعين إلى البكاء على الأطلالِ ولكنّني في المقابل لا أقرّ بتفوّق الآلة الغربيّة؛ فالعالم اليوم لا يحترم إلّا الأقوياء ولكن القوّة لا تكون بالعسكرة فحسب: بل هي القدرة العلميّة والثّقافيّة، إضافة إلى إمكانات الآلة الحربيّة، وما السّبيل الّذي تتّخذهُ دول الخليج إلّا المسار الأفضل بغية الوصول إلى هذا الهدف؛ فهي قد طوّرت الرأسمال البشري وتراكمه نتيجة توسّع التّعليم وانتشار المعرفة والتّعامل مع الثّقافاتِ الأخرى، فأصبح لديها جيل يُعتمد عليه في بناء مجتمعاتٍ جديدة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s