Great leaders surround themselves by qualified and competent people who can challenge them and propel them to higher heights. Many others surround themselves by less capable ones in order to have the last word and dominate

Now, and I say this with the most sorrow and heaviest of hearts; Lebanese leaders, and one particular group in the political class, surrounds itself with minions, Yes-men, henchmen, and whipping boys of the worst possible calibre. The level of amateurship, incompetence and corruption is mind-blowing

Just to hear them talk nonsense and non-stop is physically gut-wrenching

For a country capable of so much more… Words escape me


It’s really unfair to minions to use their photo to illustrate my point. Minions are fun and cute little things

Deal or No Deal. That is Not the Question

When I express an opinion
I feel pressure
One ghost shrieks: go with the flow
Another whispers: it’s the right move
I want to nail the deal but
I don’t want to sell out
Red says could you toe-the-line for me?
I say I can’t do that consistently
When I sit at my desk
I get the facts
I play the devil’s advocate
I never back off
Not until I cross the Ts and dot the Is
I have business on my mind
But I move forward one step at a time
Don’t get me wrong
I’m grounded
I know what I require
I know what business requires
Can you make this easy for me?

Of one thing I am sure
There are no shortcuts
It’s that simple
So what I must, I do; Now
And let the future sort itself out
Some things I can see
Others not so much
Don’t sweat stuff; small and big

When broad is my compass
At the right time, broad and narrow will come together
Pieces of a one mosaic

When I go back to my desk
I close the door
That was the lay of the land
And the particulars
I got the facts
I studied them patiently
Myself, I applied
Myself, I expressed
Clearly and neatly
With energy and guts

Plans cannot be momentary
Reason varies
Numbers are juggled
Behaviors are resilient

I cannot get entrenched; slave of experience and five senses
When a strong hunch stirs in my gut
Luck happens when opportunity meets preparation

I may have it made it harder for myself

This business case got the best of me
I had the principal’s best interest on my mind
Because I don’t only have money on my mind
Because one does not exclude the other
I’m in it for the long whole
I build institutions not castles of sand
I don’t look back

I keep walking

Lebanon: Private Initiative is no substitute for Central Government

I admire the Private Initiative of the Lebanese People. But, presently, the Lebanese are doing a Mistake. By trying to make up for the flagrant and disgraceful incompetence of the cabinet and claiming that we don’t need the State to rebuild, my compatriots are relieving the ruling class out of its duties and responsibilities – they’re allowing it to decompress the mounting Pressure and Public Wrath; they’re unknowingly bailing it out

Private initiatives cannot substitute the central government: Private initiative could not have solved the 2015 waste crisis. It could not have prevented the bankruptcy of the economy. Private initiative could have never compensated for damages from the 2006 aggression. If we have to live and die by private initiative, let’s stop paying taxes and rule our private fiefdoms

It’s about time we channel our capabilities in the right and effective way and to confront head-on, the root-cause of our endless miseries

I was brought up in the area devastated by the explosion; I have endless memories as I know every square centimetre of the area. Every square meter holds a cherished memory that shall end with my dying breath

I am eternally grateful for the private initiative and for those who are whole-hardheartedly putting in an effort, but, we DO need a State and it’s about time for a COLLECTIVE effort and a one GREAT and FINAL push. It’s time to channel the attention into the Right Direction

البنّاؤون والتّكنوقراطيّون

غالبًا ما يحدثُ أنّ (تكنوقراطيًّا) ما ناجحٌ جدًّا كجزءٍ من منظومةٍ مُستقرّة ومثبتةِ الفاعليّة؛ ولكن بمجرّد انتقالهِ إلى بيئةٍ أقلّ استقرارًا (على سبيل المثال، لإطلاق مشروعٍ جديد أو الانتقال إلى مكانِ عمل أكثر تقلّبًا)، يفشلُ هذا الفرد في إظهار مستوىً مماثل من القيادة والفعاليّة والإنجاز.
في كثيرٍ من الأحيان، تُوظّفُ شركاتٌ وهيئاتٌ عامّة عتاةَ التّكنوقراطيّين ليتبوّأوا مناصب سلطة على افتراض أنّ هؤلاء سيتمكّنون من بناء هيكليّاتٍ من الصّفر أو من قلب الأمور رأسًا على عَقِب. ينجحُ قليلٌ منهم؛ في حين تفشل الغالبيّة من إحداث التّغيير المطلوب وتغرقُ في الممارسات والثّقافات السّائدة. في نهاية المطاف، يتجاهلونَ الخصوصيّات المحلّية وقيمها، أو يرضخون للأمر الواقع ما يُؤدّي إلى نتائج متوسّطة أو إلى تلك  الّتي تتأتّى بتكاليف باهظة.
عادةً ما يجدُ (التكنوقراطيّ) المتشدّد الّذي تتلمذَ في بيئاتٍ مفرطة التّنظيم والانضباطِ صعوباتٍ بالغةٍ في إدارة بيئات مُختلفة؛ فهم نشأوا في حاضناتٍ متطرّفةٍ من العقلانيّةِ حيثُ يُعدّ بلوغ الأهداف الشّاملة أمرًا مطلقًا. هم قليلو الخبرةِ في أساليب إدارة بيئات أكثر حساسيّة تُركّز -بدرجةٍ أقلّ- على أهدافِ المجموعةِ أو الأعمال التّجاريّة. هي الّتي تحجم عن إخضاع المعايير الثّقافيّة والاجتماعيّة لصالح بلوغ أهدافٍ شاملة أيضًا.
تُعدّ الثّقافاتُ عالية السّياق (مثل اليابان والهند والشّرق الأوسط وأمريكا اللّاتينية وإفريقيا) ثقافاتٍ جماعيّةٍ حيث يُقدّر أعضاؤها العلاقات الشّخصيّة الوثيقة والمستقرّة، ويعتمدونَ اعتمادًا كبيرًا على السّياق (أي: لُغة الجسد وحالة الشّخص ونبرة الصّوت والرّسائل غير المذكورة صراحةً).  يتناقض هذا تناقضًا مُباشرًا مع الثّقافاتِ ذات السّياق المنخفض حيث يتمّ توصيل المعلومات بوجهٍ أساسيٍّ من طريقِ اللّغةِ، ويجري توضيح القواعد توضيحًا صريحًا.
عند الثّقافات عالية السّياق، تعني إعادة توجيه الشّركات والاقتصادات أنّ على الأفراد العمل مع الآخرين لمعالجة أكبر التحدّيات الّتي تُواجه مجتمعهم أو بيئتهم، علمًا أنّ عليهم أن يحقّقوا ذلك بطريقةٍ تُحدث تغييرًا حقيقيًا ودائمًا. واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا هي افتراض وجود هوّة بين التّقدّم الاقتصادي والمحافظة على المعايير الاجتماعيّة. في معظم الأوقات، ثمّة ثلاث قوى: النّخبة القائدة، والأداء المالي، والتّكنولوجيا، التي -معًا- تسهّل التّقدّم؛ ولكن وفي مُعظم الأحيان، هي قوى تدفعُ بتحسيناتٍ ضحلة لدى الطّبقة الحاكمة فحسب، تاركةً وراءها الطّبقات المتوسّطة والمحرومة من المجتمع. يتزامنُ ذلك مع وجود انعدام ثقةٍ، وتراخٍ، وقلّةِ إيمانٍ بالذّات لدى جزء كبير من الجماهير في تحسين أوضاعهم الاجتماعيّة. في كثيرٍ من الأحيان، ثمّة تباين مُتزايد في الثّروة والفرص بين هاتين الشّريحتين من المجتمعاتِ؛ لذلك من المهمّ مُعالجة هذه الأولويّات من طريق مُعالجة الأسباب الكامنة. في نهاية الأمر، ما نحتاجُ إليه هو إعادةُ توجيه مدرسة الفكر القياديّ.
تتطلّب إعادةُ توجيه مدرسة الفكر القياديّ في الاقتصاداتِ والشّركات ذات السّياق العالي تغييرًا منهجيًّا في مجالين رئيسين: حوكمة الشّركات وقبول المخاطر. كلاهما حيويّ لتشجيع الابتكار والمساءلة والمكافأة. يعني هذا تطوير الممارسات التّجارية المعمول بها حاليًّا وأساليبها، وإدخال مقاييس أوسع للنّجاحِ تتجاوزُ النّتائج الماليّة والكمّيّة (مثل عائد المساهمين وصافي الهوامش). نحنُ بحاجةٍ إلى التّركيز على التّعلّم مدى الحياة وإعادة تأهيل البيئات والأفراد، وإدارة التّقنيّات بطريقةٍ تُلبّي احتياجات العنصر البشريّ.
على عكس (التّكنوقراطيّين)، يفهمُ البنّاؤون أنّ هذه المبادئ الأساسيّة هي نقطة انطلاق لإحداث التّغيير وأنّ جميعها عناصر لصورة أشمل وأوسع. يُنفّذ البُناة رؤاهم بكسبِ الرّأي العام ودعم المورّدين، إضافةً إلى إظهار حسّ القيادة والثّقة بالنّفس. هم أقلّ حماية لمصالحهم الشّخصية، ومُخاطرونَ يُبدون الحياد والمثابرة والقدرة على الحسم ومُمارسة السّلطة بحزمٍ؛ ولكن بثبات.
يُناضل (التّكنوقراط) بتحقيق التّوازن والغرض المشترك في ما بين الأهداف العامّة (على مستوى «ماكرو») والخفايا الدّقيقة للاحتياجات الفرديّة (سلوكيّات على المستوى الجزئي). عندهم، النّظر إلى أبعد من مؤشّرات النّجاح اليسيرة يُصبح مهمّةً صعبة المنال. إضافةً إلى أنّهم يُواجهونَ صعوبات جمّة في تعدّد المهام بوجهٍ مُتزامن. تُصبح المهمّةُ أبعد منالًا عند مُحاولة إيجاد توازن بين إنشاء شركات جديدة مع إضافة قيمة وكسب المال، وتتعقّدُ الأمور أكثر فأكثر عندما تضيف الحاجة لتطوير العلوم والتكنولوجيا مع موازنةِ كلّ ما ذُكِرً سلفًا، مع الحرص على تلبية تطلّعات الأفراد وسلوكيّاتهم الجزئيّة.
مُراكمة التقنيّات والأرباح هي حاجتين أساسيّتين ولكنّ الأولى تتقادم بسرعةٍ. أمّا الثّانية فتخضعُ لقوانين تناقص العوائد. إنّ المعرفةَ والمواردَ النّاعمة قوّتانِ أكثر ديمومةً لما لهما من تأثيرات دائمة الدّفع والتّجدّد. في البيئاتِ الأكثر تقلّبًا، تتحرّك الأحداث تحرّكًا سريعًا بعشر مرّاتٍ من مثيلاتها الشّديدة التّنظيم، لذلك يُنصح التكنوقراطيّ المتشدّد الإلتزام بالمبادئ التالية:
المبدأ 1
  • الالتزام بهدفٍ عادلٍ، وقيمٍ إيجابيّةٍ، وخطّةٍ واقعيّةٍ طويلة الأجل لإعادة توجيه العمل أو الاقتصاد.
المبدأ 2
  • البحث عن مصدرٍ إيجابيّ ومستدام للإندفاعة.
المبدأ 3
  • عند الانتقال إلى بيئةٍ جديدةٍ، يُنصَحُ التكنوقراطي المتشدّد بإعادة النّظر في كلّ شيء، بما في ذلك تفوّق ثقافته، وقناعاته ونظام القيم.
المبدأ 4
  • استخدام الفطرة السّليمة لتيسير مناهج العمل وتفعيل استخدام الموارد.
المبدأ 5
  • إعادة تدوير ومأسسة آليّات العمل في الاقتصاد أو المجتمع بحيث تُحقّق الغرض والرّبح.
المبدأ 6
  • الحصول على الحقائق ودرسها بصبرٍ؛ ومن ثمّ تطبيق الابتكار في مجالات نمذجة الأعمال، والشّراكات التّجاريّة، والعمليّات التّجاريّة وما تابع.
المبدأ 7
  • التّمعّن في الموروثاتِ المحليّة، والحساسيّات، والقيم.
المبدأ 8
  • إنشاء قائمة بالأولويّات وإبلاغها، والمضيّ قُدُمًا خطوةً واحدةً إلى الأمام في كلّ مرّة.
المبدأ 9
  • وضع خطط الطّوارئ وإبلاغ الآخرين عنها.
المبدأ 10
  • استخدام الشّجاعة والمثابرة للبدءِ والبقاء على المسار حتّى بلوغ الأهداف.
المبدأ 11
  • المشاركة في المخاطرة، شخصيًّا.
المبدأ 12
  • بلوغ النتائج انطلاقٍا من «القيم»: (أي التزام ثابت بها دون قيد أو شرط) بدلًا من استعمالها كوسيلةٍ لتحقيق غاية (عدم استخدام «القيم» كنافذة مؤقّتة لتوليد الرّبح – على «المنطق» أن يكون في خدمةِ «القيمة» بدلًا من العكس).
المبدأ 13
  • قيادة الشّرائح كافّة إلى بلوغ نتائج ماليّة وغير ماليّة، وتحسين أوضاع المعيشة والعمل، وإيجاد الوظائف، وتطوير المسارات المهنيّة والبدلات العادلة.
المبدأ 14
  • تفهّم العقبات الّتي تعيق التّطوّر أو الحراك الاجتماعي والعمل على إسقاطها.
المبدأ 15
  • توقّع، وقَبول، وتفكيك المقاومة الاجتماعيّة لأنّه في البداية قد تكون الشّرائح الوسطى والمحرومة على حقّ في رؤية التّغيير كرفاهيّةٍ تتوجّس منها لأنّ عوامل التّغيير غير معروفة منها، وهي التي قد تعرّض حياة النّاس وسبل عيشهم للخطر.
المبدأ 16
  • قياس النّجاح بمدى انعكاساتهِ على المجتمعاتِ والشّرائح – وليس باستعمال المعايير الماليّة فحسب.
المبدأ 17
  • موازنة مسؤوليّات المساهمين مع أصحاب المصلحة.
المبدأ 18
  • تغيير النّموذج الحالي بحيث يعكس الواقع المرتجى، ووضع مقاييس جديدة والسّعي وراءها.
المبدأ 19
  • التنبّه إلى المجتمعات وليس إلى متوسّطات الأداءات الكمّية فحسب.
المبدأ 20
  • إصلاح النظام بدلًا من مُعالجة الأعراض.
المبدأ 21
  • تحويل في سياسة البيئة المجتمعيّة أو التّجاريّة المحيطة، وتقييم استجابة المُستَهدَفين.
المبدأ 22
  • المنطق والتكنولوجيا باردتان، ولا تهتمّان لأنهمّا متغيّرتان، ومؤقّتتان، ويعفو عليهما الزّمن. يجبُ إدارة كليهما مع التّركيز على الإنسانيّة.
المبدأ 23
  • حماية النّاس وليس الوظائف.
المبدأ 24
  • التّحقّق من أن الحوكمة الجيّدة تعكسُ المصالح الكُبرى للبيئةِ والصّغرى للأفراد.
المبدأ 25
  • من الأسهل أن يُصبحَ المرء عقلانيًّا من العكس.
من شبه المستحيل لتكنوقراطيّ متشدّد أن يتخلّى تدريجيًّا عن حاجتهِ إلى الاعتماد على حواسّه فحسب لصالح العاطفة؛ أكثر منه لشخص عاطفيّ أن يُصبح أكثر انضباطًا. يفترضُ (التكنوقراطيّون) أنّ النّاسَ لا ترغب بشيءٍ سوى السّعي وراء المكاسب المادّية والسّياسات المبنيّة حصرًا حول تأمينها. نادرًا ما تحتوي (براغماتيّتهم) على شيءٍ أكبر، شيء أعمق، يستحقّ الوقوف عنده.
المبدأ 26
  • احتضان المجهول.
التّمسّك بالعقلانيّة كآليّة تَجنّب المخاطر تمنع عتاة (التكنوقراطيّين) عن الفرص الجديدة وتمنحهم إحساسًا خاطئًا بالتحكّم، والسّلامة، والاستقرار، والتّخصّص العقيم. إنّ الافتقار إلى السّيطرة والثّقة بالنّفس، والرّغبة في دفع الحدود، والسّماح للقَدر بأخذ مجراه تكشف عن ضعفٍ متأصّل في (التكنوقراط) – أي إدراكهم بأنّهم ما زالوا غير مستقرّين استقرارًا كافيًّا؛ وعلى هذا غير قادرين على التّأقلم مع المجهول بثقةٍ وثبات. إن «رؤية النفق» هذه تشير إلى أنّ (التكنوقراط) ينظرونَ إلى الحياة من منظورٍ ضيّقٍ للغايةِ ما يتركُ اتّجاهاتٍ وفرصًا جديدة غير مُكتَشفة. للمُتشدّدين منهم، يُعدّ النّجاح في الغالبِ فرصة عمريّة وحيدة يجبُ على المرء أن ينتزعها انتزاعًا، وأن يُحافظ عليها بأغلى ما عنده.

من أجلِ صحافةٍ رائدةٍ

برأيي، إنّ كثيرًا من المفكّرين والصّحافيين العرب يسلّمون بكلّ ما تلفظه الماكينات الغربيّة كحقائق مُطْلَقة من دون أدنى مُقارعة أو مُقاربة نقديّة. هم بذلك يسلّمون سلفًا بوهم (التّفوّق الحضاريّ الغربيّ) ويعزّزون إحباط مجتمعاتهم وشعور مواطنيهم بالعجز والاستسلام. هم –كثيرًا- ما ينطلقون من وجهةِ نظرٍ غربيّةٍ لمعالجة شؤوننا كأنّ الأخيرة هي المعيار والهدف.
كلّما «دقّ الكوز بالجرّة»، يحملُ صحافيٌّ ما نفسه ويحطّ رحاله في واحدٍ من أفخم فنادق الدّول الغربيّة مرتميًا في أحضان الأجنبي بدلًا من أن يُدافع عن قناعاته وقضيّته ومبادئه من موطنه الأمّ. يُسوّغُ مُعظمُ الصّحفيّين القاطنين في الخارج تقلّص هامش الحريّة في مواطنهم، وينادون بها ثمّ يتباكون عليها من على المنابر والمؤتمرات؛ علمًا أنّ بعضًا منهم ربّما كان من أتباع هذا أو ذلك من المتنفّذين في وقتٍ ما؛ هذا إذا ما استثنينا احتمالات أنّ مساومات جرت على حساب الذّمم. برأيي، إنّ هذا النّوع من الصّحافيّين هو من عزّز إمكانيّات تهميش هذا القطاع وكبته بوساطة صنّاع القرار؛ فالحريّة حقّ يُنتزَع انتزاعًا بوساطةِ الصّدقيّة والنّضال، وليس حسنةً تُعطى كهديّةٍ من أحد.
أوردُ أمثلةً عن صحافيّين مثل: سليم اللّوزي، وغسّان تويني، وسمير قصير، وتوفيق مشلاوي، وماغي فرح… أصحاب رأي موضوعيّون ومتّزنون، أناس ذوو مبادئ وبصيرة، لا يتذبذبون في مواقفهم، ولا يبدّلون ميولهم بحسب الأجواء السائدة والمصالح والأنظمة.
لقد لاحظتُ أنّ كثيرًا من مفكّرينا وصحافيّينا المغتربين يتغنّون بسحر مواطنهم الأصليّة عن بعد بدلًا من أن يُسهموا في تغذية ذلك السّحر وتنميته. هم لا يغرزونَ جذورًا تُثبّتهم وتثبّت مواطنيهم في أوطانهم، بل على العكس من ذلك، هم يُسهمون في تصحير مواطنهم، وتعريتها من عناصرها البشريّة، والفكريّة، والماديّة. ويتباهى كثيرٌ منهم (بمعلوماتٍ) يستقونها من مصادر غربيّة (مُطّلِعة) غامزين –حرفيًّا- من أنّ «هذا ما ستؤولُ إليه الأمور» و «بحزمٍ لا يقبل الشّك»، (لكأنّ «مصادرهم» أكثر إلمامًا وإمساكًا بمسارات الأمور منهم!).
إمعانًا في التّسليمِ، يعمدُ كثيرٌ من مثقّفينا في بلدان الاغتراب إلى ربط أصغر التّفاصيل بالصّورة الأكبر، إقليميًّا ودوليًّا، ويرسمون الخطوط البيانيّة لتظهير مهاراتهم في التّحليل الاستراتيجي. ليس لديّ شكّ في أنّ تلك المصادر تُقهقهُ علنًا، وتتعجّبُ في السّرّ، عندما تُدلي لهم بمعلوماتها. أُصدقُكم القول إنّ معظم السّاسة يتّخذون الغالبيّة العظمى من قراراتهم تبعًا لردّات فعل عشوائيّة أقرب منها إلى «يا ربّ تجي في عينه»! مستغلّين ضعف، أو جهل، أو خوف الفرقاء المُقابلين. قليلًا جدًّا ما يفقه صنّاع القرار الأجانب شيئًا من جوهر الأمور، ولا يتفهّمون خصائص الشّعوب الثّقافيّة والتّاريخيّة الّتي يتدخّلونَ في شؤونها.
عندما يُصبحُ بعضاً من مفكّرينا وصحافيّينا المغتربين أصداءً للمصادر الغربيّة، فهل ثمّة من يشكّ في أنّ هؤلاء السّاسة سيُحاولون استغلالهم لدفع جداول أعمالهم، سواء بعلمٍ أو من غير علمٍ؟ هم بذلك يفسحون المجال للتّدخّلات الأجنبيّة، ويُسهمون في حصار دولنا والضّغط عليها بوساطة جماعات الضّغط (واللّوبيات) الغربيّة متغيّرة الأهواء والولاءات بحسب المصالح. فالشّركات الغربيّة بمعظمها تدمجُ خططَ إجهاضٍ في الخططِ والتقنيّات الّتي تُصدّرها إلى بلدانِ العالم المُختلفةِ، وهي بذلك تحرص، محقّةً، على مصالحها. فلطالما ما عمدت إلى تسويق تقنيّات معيوبة وخطط عملٍ مغلوطة ثمّ طرح بدائل عنها بعد أن قبضوا الأثمان. كذلك تفعل دور نشرهم؛ فهي بالإجمال لا تتبنّى قضيّةً ما إلّا خدمةً لغايةٍ أو تصفية حسابات مع نظامِ الحكمِ مثل ما يحدثُ الآن مع الرّئيس ترامب واستغلالها للأحداث الدّوليّة، أكانت محقّةً أم لا، لمحاصرته والتّركيز على انتقاده. هي كثيرًا ما تدعو إلى تغيير أنظمة حكم أو قطع الإمدادات الاقتصادية والعسكرية كوسائل ضغط على المُستهدفين منها، فللغلاة من صحافتنا (المُغتربة) أقولُ إنّ ترداد مقولات الصّحافة الغربيّة له أثمان تفوق برأيي الإيجابيّات.
على صحافتنا بذل مزيدٍ من الجهدِ لاكتساب ثقة شعوبها وقياداتها واحترامها أوّلًا، فمتى كانت آخر مرّة غطّت فيها وسائل إعلامنا أحداثًا عالميّة، مثل: أسباب الهجرة غير الشّرعية من بلدان مثل العراق، والصّومال، وأفغانستان… تغطيةً معمّقة تركت بصمتها في الرّأي العام العالميّ، أو حقّقت سباقات صحفيّة يُشهدُ لها بها، وتوجّهت لإيصال وجهات نظرنا بموضوعيّةٍ، واتّزانٍ، ومناقبيّة مهنيّة ومن دون أيّ محاباة، ومن دون الاتّكال على الوكالاتِ الدّوليّة للأخبار؟ أهناك ما يخدش العزّة الوطنيّة أكثر من تناول رئيس إحدى دول أميركا الشّماليّة وبكلامٍ تضمينيّ مسيء يصفُ به «مُندَسّين من الشّرق الأوسط وسط قافلة المهاجرين» الّتي تتّجه إلى حدودِ دولته الآن؟ أثمّة من اعترض أو أبدى ردًّا على الضّرر الذي يلحق بسمعتنا على صعيد الرّأي العام العالميّ؟ أثمّة أسوأ من تدخّل الغرب في شؤوننا الأمنيّة بغية تجفيف مصادر الهجرة وفرض وصايات علينا مثل إقامة مخيّمات أوروبّية لغربلة اللّاجئين على تُرابنا الوطنيّ أو في بلدان أفريقيّة، أو تسيير دوريّات خفر بحريّة مُقابل تلك الشواطئ؟
إضافةً إلى التّحليل في السّياسة، ثمّة أمورٌ تُساويها في الأهمّية أو حتّى أكثر منفعةً منها وتُصيب المواطن والوطن في الصّميم. يجب أن يكون لدينا إسهاماتٌ في الصّحافات المتخصّصة والاستقصائيّة في الاقتصاد، والاجتماع، والعلوم والقطاعات كافّة؛ فالمصداقيّة تُبنى تدريجيًّا بالعَرَقِ والتّضحيات، وتُكتَسب هيبتها من الجدارة والاحتراف والالتزام، والتقدّم لا يقتصر على السياسةِ حصرًا؛ فالاقتصاد والثّقافة أثبتا، وفي التّاريخ الحديث، أنّهما رافعتان للحريّة السّياسية كما تظهّر تباعًا في الصّين في العقد الحاليّ، وأوروبا الشّرقيّة ما قبل وما بعد سقوط السّتار الحديديّ سنة (1990). إنّ نجاح (الدّيمقراطيّة) في كوريا الجنوبيّة حدث بسبب النّمو الاقتصاديّ الّذي سبقها. الأمر ذاته حدث لإسبانيا واليابان؛ ولكن (الدّيمقراطيّة) ليست مضمونةً إلى الأبد حتّى في أكثر الدّول حريّة إذا لم تواكبها قيمٌ ومبادئ إنسانية يُستمات في الدّفاع عنهما. (الدّيمقراطيّة) هشّة، وهي قابلة للتّحلّل والاندثار كما يشهد عليه واقع الأمر في الولايات المتّحدة، والبرازيل حديثاً جداً. كلّ هذا مؤشّر على أهميّة ألّا يبالغ مثقّفونا وصحافيّونا بالتّشبّه بالغربِ وأن يجنحوا باللحاق به. أمّا إذا أصرّوا على ذلك، فالتصرّف بالمناقبيّة المهنيّة نفسها الّتي يتمتّع بها هؤلاء هو الأنفع: إنّ عددًا كبيرًا من الصّحافيين الأوروبيّين والأمريكيّين خاطروا -وما زالوا يُخاطرون- بحيواتهم لتغطية أخبار الحروب، أو لفضح الفساد أو المخاطرة بدخول السّجون فحسب بهدف الحفاظ على سرّيّة مصادرهم ومخبريهم.
(جوزيف بوليتزر) الّذي يُعدّ واحدًا من أهمّ الصّحافيّين في التّاريخ، عُرِّض للمحاكمة بتهمة التّشهير عندما كشفَ الفساد في حفر قناةِ باناما. هل الفرار أو الثّبات هو البديل الّذي يلجأ إليهِ الصّحفيّون الغربيّون عندما يتقصّون فسادًا في واحدةٍ من كبرياتِ الشّركات الدّوليّة الّتي لا تقلّ خطرًا وبطشًا على النّفوس من أدهى (الدّيكتاتوريّات)؟
لا أعني أن أحمّل الصّحافة والمثقّفين المغتربين كلّ أوزارنا؛ ولكنّها –ربّما- تُسهم في تغطية التّقصير والأخطاء بوساطة التّرداد، أو قصر النّظر، أو المحاباة، أو الخوف. هي مُخطئة في تخلّيها عن نشر الوعي وتحفيز الشّعور بالانتماء الوطنيّ والقوميّ؛ لذلك أعقدُ أهميّةً كبيرةً على دورها في تحفيز العقل الجماعي ونفح المسؤوليّة، وتزكية سياسات الثّواب والعقاب.
أحترمُ صحافتنا المحلّيّة وعمل صحافيّينا في حالاتٍ أدركُ صعوبتها وخطورتها؛ ولكن أنصاف الحقائق والتسليم ما عادا مُجديين -من وجهة نظري- ولأنّني أعرفُ العالم، ولأنّني أعرفُ أّن مثقّفينا أكثر قدرةً على العطاء، وأكثر صلابةً، أكتب مقالتي. فأنا متيقّنٌ من أنّنا قادرون على بناء مؤسّسات واعية وتصحيحيّة تضمنُ رفعة أوطاننا ومكاناتنا؛ ولكن هذه مؤسّسات لن تبني نفسها بنفسها، بل تتطلّب بُناةً مثابرين وعاقدي العزم.
إنّ أخطر ما يُمكن أن يفعله شعبٌ هو إهدار أعمار أجيال متتالية وإبقاء نفسه خارج الحضارة، فذلك وجهٌ من أوجهِ القتل الجماعيّ. أنا –قطعًا- من أشدّ مؤيّدي التّقدّم، والحداثة والحرّية؛ ولكنني أدعو إلى شقّ طريقنا الخاص، والإسهام بإغناء الحضارة الإنسانيّة بإسهاماتنا عوض الاكتفاء بالتلقّي والاستقاء من معين الغرب، واللّحاق بمن يقودنا إلى مصيرٍ سيِّئ مهما علا وكثُرَ عدد المصفّقين والمنتقدين والمشكّكين وضجيجهم بيننا. أمّا للمسلّمين بالتّفوّق الغربي وديمومته، فأقول: لست من الدّاعين إلى البكاء على الأطلالِ ولكنّني في المقابل لا أقرّ بتفوّق الآلة الغربيّة؛ فالعالم اليوم لا يحترم إلّا الأقوياء ولكن القوّة لا تكون بالعسكرة فحسب: بل هي القدرة العلميّة والثّقافيّة، إضافة إلى إمكانات الآلة الحربيّة، وما السّبيل الّذي تتّخذهُ دول الخليج إلّا المسار الأفضل بغية الوصول إلى هذا الهدف؛ فهي قد طوّرت الرأسمال البشري وتراكمه نتيجة توسّع التّعليم وانتشار المعرفة والتّعامل مع الثّقافاتِ الأخرى، فأصبح لديها جيل يُعتمد عليه في بناء مجتمعاتٍ جديدة.

الرهان على النفس

تاريخيًّا، أحكم الاستعمار قبضتهُ على خناق الدّول بوساطة إغراقها في الدّيون ثمّ استيفاء حقوقه بنهب مواردها الاقتصاديّة والطّبيعيّة. عند محاولة أيّ دولةٍ من الدّول المدينَة الإفلات من تلك القبضة، عرّضت هذه الأخيرة نفسها إلى عقوبات جماعيّة، ومقاطعة، واقتصاص الهيئات الدّوليّة والمصارف والتّكتّلات الكبرى الّتي أنتجها الغربيّون لتعمل كقطيعٍ من الذّئاب وظيفته إنشاء مجموعات ضغط ومُطَاردة، تؤدي وظيفة الجلّاد بكفاءةٍ لم تكن متاحةً لأيٍّ منها على أدائها فيما لو عملت مُنفردة، وقد أثبتت هذه (الاستراتيجيّة) فاعليّةً وديمومة أكثر من ركون الدّول الغربيّة إلى استعمال القوّة العسكريّة الّتي لم تبخل في استعمالها. هذا النّمط التّاريخي، أكّده لنا أبرز المثقّفين العرب، مثل: إدوار سعيد في كتاب «الاستشراق»، وألبير حوراني في «تاريخ الشّعوب العربيّة» على سبيل المثال لا الحصر.
برأي، إنّ وهج (التّفوّق الحضاريّ) الّذي ولّدته الثّورة الصّناعيّة الغربيّة قد بدأ يخفت بوتيرةٍ مُتسارعة، حتّى لا أقول بأنّه على وشك الأفول للأسباب الّتي أفصحت عنها في مقالاتي السّابقة؛ للتّذكير: دمار نسيج الدّول الغربيّة الاجتماعيّ وانحدار الحياة المدنيّة وتدهورها، إضافةً إلى الجنوح المُتدرّج لأنظمتهم نحو (الدّيكتاتوريّة) بسبب التّطرّف في اعتماد المنطق والعلم كركيزةٍ أساسيّة للحضارة، وما انتخاب الرّئيس ترامب وصعود اليمين المتطرّف في أنحاء أوروبا كافّةً سوى خير دليل على ذلك.
أدركُ تمامًا بأنّ الثّورة في تكنولوجيا الاتّصالات، والمعلومات، والعلوم الحيويّة إضافةً إلى غيرها في كلّ المجالات ما هي إلّا في بداياتها؛ ولكن المردود المتوقّع منها سيكون متضائلًا بنظري لأنّها بدأت تصبو وتدريجيًّا إلى المغالاة، والتّسخيف، وعقم التّفاصيل؛ ترمي إلى تصفية الماء من البعوضة! فما الفائدة إذا كسبت البشريّة سباق التّكنولوجيا وخسرت نفسها؟ فكلّ ما بُنِيَ على باطلٍ، هو باطل.
لقد حان لنا الوقت كشعوبٍ شرقيّةٍ أن نكون أكثر انتقائية في تعاملاتنا مع الدّول الصّناعيّة وأقلّ تسليمًا بطرائقها، وقيمها، وما ترمي إليه وتستهدفه، وخاصّةً أقلّ انبهارًا بتقنيّاتها. علينا أن نستخلص الدّروس من الأحداث والتّطوّرات الّسياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تشهدها تلك المجتمعات واختيار ما يُناسبنا منها وطرح الباقي جانبًا مهما علا وكثُرَ عدد وضجيج المصفّقين والمنتقدين والمشكّكين في صفوفنا.
حفاظًا على الموضوعيّة والنّقد البنّاء، علينا أن نطرحَ البديل وأن نُسهم مجدّدًا مع غيرنا من الدّول الشّرقيّة كاليابان، والهند، وروسيا، في تقدّم الحضارة الإنسانيّة. أمّا طرح البديل فيتطلّب خلوقيّةً وإقدامًا وشجاعةً افتقدناها منذ أكثر من (100) عامٍ في الأقلّ، وهو يتطلّب إرادةً، وجهودًا، وأثمانًا، وتضحيات.
بعيداً عن التّعميم؛ ولكنّنا كأفرادٍ، غالبًا ما نبحثُ عن المكسب الآنيّ والمادّي مُتغاضين عن تبعاتِ خياراتنا وانعكاساتها البعيدة المدى. فإذا ما رغبنا بشيءٍ، استوردناه، وهذا طبيعيّ. هذا –بالتّحديد- ما أقدمت عليه أممٌ كثيرة مثل: اليابان (ما بعد الحرب العالميّة الثّانية)، والهند، والصّين، والبرازيل؛ ولكنّ هذه المجتمعات لم تكتفِ بذلك؛ فبعد أن التقطت أنفاسها واعتمدت على استيراد المعرفة، بدأت بتطوير قدراتها الذّاتيّة بانتهاج سياسة التّقليد واستعمال تقنية تُعرَف باسم «الهندسة المعكوسة». رويدًا رويدًا، راكمت هذه المجتمعات المعرفة وبدأت بتطوير بناها التّحتيّة وتأهيل مواردها البشريّة والاستثمار في البحث والتّطوير بعيدَي المدى بغية ابتكار أفكار ومنتجات وخِدْمات ضاعفت من أرباحها التجاريّة بالدّرجة الأُولى. أمّا الأهمّ فكان أنّها عزّزت احترام النّفس، والمصداقيّة، وانتزعت اعتراف الغير، وأكّدت شخصيّتها الوطنيّة. أصرّت تلك الدّول على امتلاكها لمقدّراتها والتّخفيف من تأثير الضّغوطات الأجنبيّة في استقلاليّة قراراتها والتحكّم بمصائرها، ولتبيان مدى أهمّية الإرادة الوطنيّة في بلوغ أرقى المراتب، فما علينا إلّا الالتفات إلى القيادة الاستثنائيّة لدولة الإمارات العربيّة المتّحدة لما حقّقته في كلّ المجالات وسعيها الدّؤوب الى بلوغِ المزيد. الدّولة الإماراتيّة هي بحقٍّ من مصافِ الدّول الأكثر تقدّمًا وتحضّرًا. هذا ما يمدّني بالأمل والثّقة كمواطنٍ عربيّ.
تحظى الاقتصادات الشّرقيّة والعربيّة على وجه الخصوصِ بالمصادر المطلوبة كرأس المال والمهارات؛ ما يدفعُ للسّؤال لماذا لا نستخدم عمومًا مقدراتنا على الوجهِ المفروض؟
لقد حقّق الغربُ قفزات ونجاحات في مجالين أساسيين: قبول المخاطرة، والحوكمة الجيّدة. هاتان الصّفتان أساسيتان لتشجيع الابتكار وتطبيق مبدأ المحاسبة أو المكافأة على المستويين الفرديّ والمجتمعي، وإنّي لا أرى أيّ عوامل نجاح أُخرى لا نحظى بها نحن الشّرقيّين وبوفرة. كلا الصّفتين هما ضمن المقدرات الإنسانيّة الّتي يُمكن استغلالها على الدّوام على افتراض أنّنا نملك الإرادة الكافية.
إنّ وجودَ أو عدم وجود الإرادة ينطبق على كامل أوجه المجتمع بدءًا من السّياسة، مرورًا بالاقتصاد، وانتقالًا إلى علوم الأحياء والبحث العلميّ … وانتهاءً بالفكر والإعلام والصّحافة.
النّقاط الثّلاث الأخيرة ينبغي لي التوقّف عندها نظرًا إلى أهمّيتها في نشر الوعي الجماعي وتأثيرها في الرّأي العام.
… يُتبع

احذروا من يدّعِ القيادة…وهو ليس بأَهلٍ لها

في خطابه أمام البرلمان الأوروبّي في السابع عشر من شهر نيسان الحاليّ، حذّر الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون من أنّ العالم، وليست أوروبا وحدها، يشهدان عودة للقوميّات والدكتاتوريّات. ما يعني تلقائيّاً بأنّ النموذج الديمقراطي الذي يدّعي الغرب أنّه من روّاده قد فشل أو على وشك ذلك.
أرى أنّ المشكلة ليست في الديمقراطيّة إنّما في من يطبّقها؛ فالديمقراطيّة الحقّة تتطلّب إنسانيّةً ومجتمعاً مُنفَتِحَين بحقْ على الغير؛ وواثقَين بحقّ بأنفسهم ومؤمِنَينِ بحقّ بقيمٍ سامية لا يتردّدان في تطبيقها وفي الدفاع عنها بغضّ النظر عن المصالح والتكاليف والجهود
إلى غالبيّة القرّاء الذين يعتقدون بأننيّ أغالي في المثاليّة أقول بأنّ الانسان الحكيم هو من يتّعظ من أخطائه ويتجنّب تكرارها. ومع مرور الزمن، ورويداً رويداً، تتراكم الإيجابيات ويسعى المرء نحو الكمال – علماً بأنّنا لن نبلغه قط ولكن، وعلى أقلّ تقدير، يشكّل سعينا نحوه بوصلةً تُبقينا على المسار السليم بعد كل انحراف.
أرى بأنّ إدّعاء الغرب ب”التفوّق الحضاريّ” و”القيادة ” مردّه الى تسلّط المنطق على نمط حياة الأفراد في تلك الدول ممّا دفعهم الى الكبرياء بدلاً من الحكمة. بعيداً عن التعميم، ولكن بدلاً من أن يكون التقدّم العلمي (المنطق) سبيلاً نحو التواضع والحكمة (وليس غايةً نهائيّة بحدّ نفسه)؛ انحرف الغربيّون بسبب ضحالة جذور معتقداتهم وطراوة حضارتهم بالإضافة الى نهمهم الى الكسب الماديّ عن القيم الانسانيّة العليا. بقليلٍ من التّفاني وكثير الكلام المعسول والمنمّق والمُضَلِّل والماكر صَوَّروا أنفسهم للداخل والخارج أنّهم واثقون وحازمون وناهٍين في ما يدّعون ويزعمون بدلاً من أن يصارحوا أنفسهم وغيرهم بأنّ “اكتشافاتهم” آنيّة وموضعيّة وهي قائمة أساساً على افتراضات جدّ ظرفيّة وموضع شكّ وجدل ونقض في كل حين. باكراً ما أيقن ساستهم وعلماؤهم ومفكّريهم وعموم شعوبهم هذه الحقائق ولكن اختاروا أن يتنكّروا لها وأن يتخدّروا بالقليل من المتعة الآنيّة التي أمّنتها لهم الظروف الى أن وقعوا ضحايا أوهامهم.
سأحاول أن أبيّن كيف أنّ المنطق الصرف والمحض علميّ أودى بالغربيّين في نفقٍ من الأحاديّة في التفكير التي وبدورها جعلتهم قصيري النظر، يتقدّمون محنيّي الرؤوس، مطأطئيها، لا يرون “أبعد من أنوفهم”؛ يعيشون بغالبيتهم في مجتمعات لا تؤمن إلَا بما تمليه عليهم حواسهم وتفوتهم البصيرة والقدرة على التعاطف؛  فحتى إذا رأوا لا يفهمون وإذا فهموا لا يجرأون على مجاراة ما تمليه عليه ضمائرهم لا لسبب إلّا خداعهم لأنفسهم أوّلاً وضعف ثقتهم بأنفسهم وبقيمهم ثانياً ولغياب أهدافٍ سامية ثالثاً وطمعهم المادي رابعاً. فإذا لم يؤمنوا ويمارسوا، عن حقٍّ وحقيق وعلى أوسع نطاق، بقيمهم وبتعاليمهم الديمقراطية؛ فهل سيفعل الغير؟ّ! فالحكمة تقول “يمكنك الكذب على بعض الناس بعض الوقت، ولكن لا يمكنك الكذب على كل الناس كل الوقت”.
لا يظننّ أحد بأنّني ضد التقدّم العلمي او حياة الرفاهية؛ على العكس من ذلك فأنا من أشدّ المؤمنين بالعمل والجِدّ والسعي نحو الأفضل في كل مناحي الحياة ولكن؛ كسبيلٍ وليس كغاية بحدّ ذاتها. شخصياً، وبعد أن اختبرت التطرّف في العاطفة ومن ثمّ في المنطق؛ أجد بأن الميزان الأفضل لي هوغلبة العاطفة على العقل بنسبة 55 الى 45% (توخّياً للدقّة!).
أورد في ما يلي بعض الشواهد على سذاجة وزِيف وغلوّ ادّعاءات الغربيين في ريادة الحضارة الانسانية. ولكن قبل الشروع في ذلك، لا بدّ لي من ذكر التقصير الفاضح والفراغ الهائل الذي تركته الحضارات الشرقيّة المُنهكة  التي واكبت بداية القرن العشرين والذي شكّل استسلامها الفرصة الذهبيّة لدول الغرب لفرض “قيادتها”؛ فالطبيعة تكره الفراغ لاسيّما اذا تنازل المرء طوعاً عن حقوقه. سأكتفي بهذه البراهين والأدلّة:
  1. قيام تقنيّات مثل وسائل التواصل الاجتماعي بتدمير النسيج الاجتماعي وتعريض أمنه الى أضرار غير مسبوقة في التاريخ البشري. وما هي فضيحة “كامبريدج أناليتيكا” واعتراف السيد مارك زوكربرغ بسوء نيّته المُتَعمّد وجهله بالأضرار التي قد تسبّبها شبكة “فايسبوك” إلّا بمَثَلين عن الاستخفاف بحقوق الناس. أمّا القلائل الإثنيّة والمذابح التي مهّدت لها وحضنتها تلك الشبكة في سريلانكا وميانمار واندونيسيا والهند والمكسيك فهي لا تزال ماثلةّ في الأذهان،
  2. إطلاق منتجات صناعية (مثل أنسجة الأكريليك التي تسبّب العقم عند الرجال؛ وتفكّك جزئيّات البلاستيك المُستعمل في عبوات المياه المعلّبة) واستعمال المكوّنات الغذائية المُسرطِنة (في المواد الغذائية المحفوظة) والمُحلّيات الصناعية (التي تؤدي الى الاصابة بداء السكّريّ وزيادة الوزن)؛ وهي أمور أدّت الى عكس أهدافها المرجوّة،
  3. الاستعمال اللامسؤول للمضادات الحيويّة في تربية الدواجن والمواشي وغيرها من الاستعمالات الصناعية  والمنزلية (مثل صابون غسل اليد) والتي أدّت مع الوقت الى تطوّر بكتيريا ال”سوبرباغ” المقاومة للأدوية والتي استعمرت كافة مراكز الاستشفاء وتهدّد بتفشّي الأوبئة القاتلة عالميّاً،
  4. الاستغلال الصناعي الجشع للموارد والتلوّث الناجم عنه ما ساهم في تسريع عجلة الاحتباس الحراري وذوبان الكتل الجليدية القطبيّة ممّا يهدّد بارتفاع مدمّر لمياه المحيطات ويمهّد لإبادة  المدن الساحليّة. والأدهى من ذلك، بيّنت الدراسات بأنّ إجراءات احتواء الاحتراز الحراري التي أوصى بها المتخصّصين من تلك الدول ساهمت في زيادته فعليّاً (لأن التلوّث الناجم عن حرق الوقود العضوي وبالمحصّلة، يساوي ثلاثة أضعاف مثيله من الوقود الأحفوريّ!)،
  5. بحسب دراسات مراكز أبحاث موثوقة، فإنّ ما معدّله 60% من النصائح الطبّية والصحية التي تعرضها برامجهم التلفزيونيّة الموثوقة هي مغلوطة تماماً أو غير مؤكدة  بالمرّة،
  6. دراسات ودراسات مضادة، شبه يومية، تزكّي الواحدة منها بفوائد أطعمة مثل القهوة والدهون وطرق طهوها (مثالاً على ذلك قلي الطعام بزيت الزيتون)  بينما تناقضها الأخرى بحدّة في يوم لاحق. باعتراف أصحاب الاختصاص الغربيّن أنفسهم “أظهرت دراستنا أن العديد من النتائج الطبية، التي نقلتها الصحف، دحضتها دراسات لاحقة، ويعود ذلك جزئياً إلى تفضيل الصحف تغطية الدراسات الأولية (الإيجابية) بدلاً من تغطية الملاحظات العلمية اللاحقة، وسيما تلك التقارير التي تنقل نتائج سلبية. وتشير دراستنا أيضاً أن معظم الصحافيين من الصحافة العامة لا يعرفون أو يفضلون عدم التعامل مع المستويات المرتفعة من الغموض الكامن في الدراسات الطبية المبكرة”.
  7. استعمال مواد طبّية لغير أغراضها الأساسيّة (مثل ال”سيليكون” في جراحات التجميل) ثمّ اكتشاف أنها مسمّمة ومسرطنة تسبّب الوفيات، ومن ثمّ التوصية بنزعها وعدم استعمالها،
  8. نشر وتعميم سياسة “الفوز بأي ثمن” اجتماعياَ ورياضياً واقتصادياً بغية الكسب المادي وبغضّ النظر عن عواقبها المباشرة وغير المباشرة على الصحّة النفسيّة ةالجسديّة للأفراد والعائلات والمجتمع. وللدلالة على ذلك، أذكر “برامج الواقع” التي تزكّي الاقتداء ب”نجيمات اجتماعية” تعاني من قلّة الثقة بالنفس وعدم الأمان العاطفيّ تستغلّهما لتصوير الحقيقة بعكس ذلك فتروّج بالتالي لانتشار أفكار مغلوطة في عقول الشباب والناس السريعي التأثّر. كما  أذكر التشجيع المباشر واللامباشر للشابات على ضرورة اتباع الحميات الغذائية التنحيفيّة تَشبّهاً بعارضات الأزياء ونجمات التلفزيون ممّا ضاعف من انتشار أمراض نفسيّة مثل “الأنوركسيا” و “البوليميا”. علاوةً على ذلك، أذكر الكثير من أشهر الممثّلات والممثّلين في هوليوود اللذين تنازلوا عن كراماتهم الشخصيّة وحقوقهم القانونيّة بسبب الخنوع والخوف على مسيراتهم المهنيّة (بُغية عدم التسبّب باستياء المُتنفّذين من مهاجميهم) بعد حوادث تحرّشات واعتداءات جنسيّة تعرّضوا لها. زِد على ذلك؛ فإنّ الكثيرين من رياضيّيهم يعانون أزمات صحيّة خطيرة خلال أو بعد اعتزالهم لرياضاتهم بسبب الإجهاد ال”ما-فوق-طبيعي” لأجسامهم (منهم من يتناول فوق ال13 حبّة دواء في اليوم الواحد! او المنشّطات الصناعيّة القاتلة مثل ال”ستيروييدات”)،
  9. الاستعمار والاستشراق ونظريّة التفوّق الحضاري والعنصرية ومعاداة الساميَة واستعلاء العرق الأبيض والتنمّر الاجتماعي وغيرها من الآفات الاجتماعية (مثل تعاطي الممنوعات بشكل واسع وثقافة التحرّش الجنسي والاستعباد الحديث وتسخيف المعتقدات الاجتماعية والقتل الرحيم)، كما استغلال قضايا اجتماعية محقّة (مثل المساواة بين الجنسين) سوء استغلال لنشر سياسات انحلال أخلاقي إنتشرت دوليّاً بسبب بِدَعٍ أو منظمات أجراميّة مصدرها الدول الصناعية في الغالب،
  10. تشكيل مجموعات ضغط لتبرير شتّى أنواع التفلّت الأخلاقي والموضات العابرة والمؤذية مثل جراحات “تجميلية” للحوض عند النساء وتقوير الوجنات وغيرها من الامور النابعة من السطحيّة في التفكيرأو سعياً وراء التربّح المادي. وهذا ما يؤدّي الى ديسمورفيا جسديّة ومضاعفة الشعور بعدم الأمان النفسي لدى الكثيرين ممّن خضعوا لتلك الجراحات ومن ثمّ ندمهم وصراعهم لإعادة عقارب الساعة الى الوراء،
  11. إنغماس غالبيّة المؤسّسات الماليّة والبنوك الدولية (خاصة تلك التي تدّعي أقصى درجات النزاهة والرِفعة) في عمليات تبييض الاموال “من رؤوسها الى كعوبها”. وأودّ التذكير بأنّ العديد من هذه الشركات تمّت إدانتها بالتآمر في ما بينها لتحديد سقوف دُنيا لكلفة الدين أذكر منها مصارف ال “أتش أس بي سي” و”يو بي أس” و”دويتشه بنك”،
  12. الغش الذي تمارسه كبرى شركات السيارت الغربية مثل “في دبليو” و “ب. أم. في.” و”أودي” و”مرسيدس” وغيرها لاحتكار الاسواق وللغشّ في أرقام إصدارات التلوّث الناجم عن حرق وقود آليّاتهم،
  13. تفكّك الأُسَر والعائلات وتجاوز معدّلات الطلاق نسبة الخمسين بالمائة. فبحسب الاحصائبات، واحد من أصل كل خمس مراهقين غربيّين فكّر بالانتحار بسبب غياب الدعم العائلي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة والضغوط الاجتماعيّة. من الملفت للنظر بأن نسبة الانتحار هي أعلاها لدى الرجال ما فوق الخمسين من العمر (ويعود ذلك بنظري الى الوحدة القاتلة التي يعانون منها بعد أن بذلوا كل شيء في سبيل المال والمصالح المادّية الى أن وجدوا أنفسهم فجأةً وحيدين في خريف العمر)،
  14. خضوع معظم المجتمعات الغربيّة لسياسات “ليّ الذراع” و”الأمر الواقع” تحت حجّة “الواقعية السياسية أو ال”Real Politik” كما سيحدث عند قبولهم لكوريا الشماليّة كدولة نوويّة حسب ما أظنّ. فالمواطنون الغربيّون لا يملكون سوى فترات قصيرة من الاهتمام وهم سريعين في تغيير قناعاتهم واتجاهاتهم لضحالة معتقداتهم وهوسهم عندما يتعلّق الأمر براحتهم وبأموالهم،
  15. الوصم بالعار لكل من عانى من مرضٍ نفسيّ أو جسديّ (مثل البدانة أوالاكتئاب أوالتشوّه الخلقيّ على سبيل المثال لا الحصر)، ومن ثم الانتباه الى الأثر التدميريّ لذلك ومحاولة العودة عن الخطأ والتعويض على أناسٍ هُدِمت حيواتهم أو أنهاروا، فانتحروا،
  16. يتعرّض المواطنون الغربيّون لضغوطٍ شتّى لا تُحتَمل بسبب الفِرط في القوننة ومخاطر المقاضاة لأتفه الاسباب؛ ضغوطٌ يحاولون التهرّب منها بشتّى الذرائع والحجج ممّا ينعكس ارتفاعاً في معدّلات الجرائم ومخالفة القوانين والانحرافات الاجتماعية المُضحِكة-المُبكِية في أكثر ألأحيان. لا أبالغ عندما أستشهد بالأمثلة التالية البسيطة ولكن المعبِّرة عن المعيشة في مخاوف دائمة: إنّ كثيراً من الحدائق العامة نزعت مراويح الأطفال منعاً من المقاضاة بعد سقوط أولادٍ عنها –  بسبب الانتشار المخيف للبيدوفيليا، كثيراً ما يتمّ استدعاء الشرطة على عجل في حال رأى أيٍّ كان لبالغٍ في السن يقبّل طفلاً (من الأرجح هو ولده!) – في بريطانيا مثلاً، يعاني ثلث السكّان من مرض الاكتئاب والقلق –  كثيراً ما يلجأ مواطني دول الغرب الى “”استئجار”” شخص “يعانقهم” فقط وليس لأكثر من ذلك بسبب إنعدام أو شبه إنعدام الشعور بالتعاطف بين الناس والعائلات – من الأمثلة المضحكة، قيام خالة أحد الأطفال بمقاضاة إختها لا لشيء إلّا لأن معانقة ولد الأخيرة تسبّبت لها برضّة رتّبت عليها تكاليف طبّيّة! وللقارئ الذي يظنّ بأنّ هذه الحوادث نادرة ولا يُبنى عليها أقول أنّك مخطئ وهي ممارسات شائعة جدّاً في أوساطهم وأنماط مقارباتهم للأمور الحياتيّة،
  17. بوتيرةٍ متصاعدة، بدأت تتفلّت التجمّعات الحضريّة الأمريكيّة من اعتمادها على الشرطة لإنفاذ القوانين مثلما يحدث في مقاطعات ولاية “أوكلاند” ألآن. وأتوقّع للأمريكيّين أن يزيدوا من تأييدهم للنزعة الديكتاتوريّة للرئيس ترامب لأنّه سيستميلهم ببعض النجاحات الظرفيّة والخادعة، وكردّة فعل على فرط القوننة وفساد الأجهزة الأمنية والقضائيّة المستشري وعنصريّتها وسَأَمِهم منها ثانياً،
  18. بحسب أحدث دراسة، ومنذ العام 2012، تعرّض 208،000 تلميذ ثانوي لعنف السلاح في أكثر من 212 مدرسة أمريكية. فالعنف الدراسيّ الأعمى والمذابح بالجملة التي تشهدها شتّى الولايات الأمريكية بشكل شبه يوميّ مردّه بنظري الى االقوالب المُصطَنعة والمُسَطَّحة التي يُتوقّع منهم الاقتياد بها والضغوط الهائلة التي يرزح تحتها شبابهم في مراحل مبكّرة جدّاً من العمر،
  19. انتخاب رئيس لأقوى دولة عظمى شديد التأثّر ومزاجيّ يجاهرعلناً بالكذب والفساد ويفاخر بهما،
لقد ظهّر انتخاب الرئيس ترامب الكثير من العِلل الجوهريّة التي كانت، ومنذ عقود، تتآكل صميم المجتمع الأميركي بكافة أوجهه السياسيّة والاقتصادية والحضاريّة والتي دفعت بأكثر من خمسين بالمائة من الناخبين الى التعبير عمّا يؤمنون به وكانوا يمارسونه قولاً وفعلاً، في يوميّاتهم، سواء كان ذلك سليماً أم لا. أمّا القسم الثاني والذي ليس بقليل من باقي المقترعين اللذين صوّتوا لمنافسته السيدة كلينتون، فهم يتشاركون مع السيّد الرئيس بالكثير من القيم والمعتقدات وإنّما بنسب أقلّ من مناصريه بطبيعة الحال. وبحسب تقديري الشخصي المبنيّ على معايشة واقع الحياة الأمريكيّة، تشكّل آخر شريحة من الناخبين نواة المؤمنين حقّاً بالقيم الإنسانيّة والديمقراطيّة السليمة. إنّ مجتمع الولايات المتّحدة هو النموذج الأوضح والأكثر تعبيراً وإقداماً عن باقي المجتمعات الغربيّة والتي عاجلاً أم آجلاً ستلحق برُكَبِ الناخبين الأمريكيّين. وهذا ما أكّدته مؤخّراً انتخابات هنغاريا وإيطاليا والصعود القوي لليمين المتشدّد في فرنسا وهولندا والنمسا وألمانيا وغيرها من الدول الأوروبيّة.
فخلال المائة سنة الماضية بشكل خاص، تسارعت وتيرة سعي الغرب الأعمى والمحموم الى حياة من الراحة والبحبوحة الى أن تنبّهوا فجأة وبعد فوات الأوان الى عمق ضلالهم – أي بعد أن فقدت مجتمعاتهم قبل غيرها إيمانها ب”ديمقراطيّات” هشّة ومزيّفة ومقنّعة بُنِيَت على أسسٍ منطقيًة ضيّقة ومتحرّكة، ظرفيّة ورأسماليّة بحتة بدلاً من أساسات وقيمٍ إنسانيّة كونيّة جامعة وراسخة وخالدة لا تتغيّر بتغيّر الوقت والحكّام والظروف والاقتصاديّات.
برأيي، إنّ جزءاً كبيراً من كره الأمريكيّين والغربيّين عامَةً للسيد ترامب هو لأنّه كشف عن عمق زِيفِهم علناً في ما يُعَرف ب”عقدة المحتال”.
أُدرٍك تماماً بأنني أوّل الخاطئين وأقلّهم استحقاقاً أمام الخالق؛ كما وأنّني أتفهّم تماماً المعاناة المعيشيّة والحياتيّة لمواطني الدول النامية والأسباب التي تدفع بهم الى خوض غمار البحار سعياً الى غدً أفضل لهم ولأبنائهم. ولكن، ما أتمنّاه لي ولهم هو أن نتجنّب “أفخاخ العسل” التي نصبها الغرب في أذهاننا، وأن نبذل أفضل جهودنا في مواطننا لتحقيق رِفعَتِها وبأيادينا. فعندما يبذل كلّ فردٍ منّا أقصى إمكاناته على الصعيد الشخصيّ، يتحقّق نجاح المجموعة تلقائيّاً؛ وهذا ليس بشعارٍ ورومنسيّة فارِغَين.
لكلّ ثقافة حسناتها وسيئاتها؛ وأنا أقدّر الكثير من المساهمات الإيجابية للغرب في مختلف المجالات ولكن إذا وضعت هذه الحقيقة جانباً، أستنتجت بأن غالبيّة مجتمعاتهم تتمتّع بقيم مادّية ساحقة على نحو لا يصدق. عمليّاً، إنّ واقع الحياة في الدول الصناعيّة على نحو ما صَوَّرَته وتُصَوّره أفلام هوليوود ما هو إلّا محض سراب وأكاذيب وبروباغاندا من إعداد وإخراج مخيّلات خصبة؛ فيها اليسير من الصدق والإيجابيّة والكثير من الخبث والخداع، والكذب والافتراء ما يُخجِل أعتى الديكاتوريّات. أقلّه، وفي تلك الأنظمة، يُدرٍكُ المرء واقعه ولا يرهن مصيره ويفكّ ارتباطه بموطنه ليتعلّق بحبال آمالٍ وأوهامٍ تكون أشدّ ألماً وظلماً وخيانةً وغدراً على نفسٍ تتطلّع الى مستقبلٍ أفضل. فالموت جرّاء ألفاً من الجراح أسوأ منه بالضربةٍ قاضية.
أُورِدُ  أدناه دراسةً غربيّة موثوقة تفيد بأنّ كل إنجازات حضارة كوكب الأرض نجحت في الوصول لخانة الصفر وهي قد خلُصَت الى أنّنا “إذا كنا نريد التطور إلى ما هو أكثر من الحضارة فئة 0، يجب أن نكون ألطف مع بعضنا البعض، وربما نستثمر في العلم والتعليم.”
كل إنجازات حضارة كوكب الأرض نجحت في الوصول لخانة الصفر
لقياس مستوى تقدم الحضارة يركز مقياس كارداشيف على كمية الطاقة التي تستطيع الحضارة الاستفادة منها وتسخيرها لخدمة البشرية، بدءاً من إشعال النيران وصولاً إلى استخراج الطاقة من الكواكب والنجوم المجاورة.
ومن هذا المنطلق فإن حضارة كوكب الأرض مازالت في المستوى 0.72، رغم كل التطورات التي تم ويتم تحقيقها.
بداية لابد من تعريف مقياس كادراشيف: تم اقتراحه لأول مرة عام 1964 من قبل عالم الفلك الروسي نيكولاي كارداشيف، وهو طريقة لقياس مستوى التقدم التكنولوجي لحضارة اعتماداً على كمية الطاقة التي يمكن لتلك الحضارة استثمارها.
للمقياس 3 فئات محددة تسمى النوع I والنوع II والنوع III. في النوع الأول تستخدم الحضارة جميع الموارد المتاحة في الكوكب الأم، النوع الثاني تسخر فيه الحضارة كل الطاقة من نجمها، والنوع الثالث من مجرتها. ورغم أن المقياس افتراضي فقط، لكنه يضع استهلاك الطاقة في منظور كوني.
ولتبسيط المفهوم، لابد من التأمل في الماضي ودراسة الحاضر والمستقبل المتوقع من التطورات المرتقبة لتكوين صورة أوضح عن عالمنا.
عودة للجذور
توضح الدكتورة والكاتبة العلمية جولن كريتون في مقال لها نشر على موقع Futurism، أنه بناء على الطاقة المتاحة، قدّر عالم الفلك كارل ساغان عام 1973، أن الأرض تمثل حضارة من فئة 0.7. فبينما تصنفنا التقييمات الحالية حوالي 0.72، هذا يعني مرور 4.5 مليار سنة دون أن نصل للحضارة فئة 1.
لكن المستوى صفر لا يعني التقليل من الإنجازات البشرية، وإليك التفسير العلمي:
العصر البدائي
على كوكب الأرض، وفي أدنى نوع من الحضارة (نوع 0.1)، ستكون إنساناً بدائياً. ستستخدم العصي وغيرها من الأدوات الأساسية للصيد وللبحث عن طعامك، ربما لن تكون مرتدياً أية ملابس، وستأكل الأسود البدائية الكثير من معارفك.
ومع ذلك، كفرد في مجتمع بدائي، سيكون عليك أن تقاتل لتكتسب حقوق التزاوج، وأن تحمي أراضي الصيد الخاصة بك، وأن تنشئ قيادة من خلال التسلسل الهرمي مبنية على القوة.
ولكن في نهاية المطاف، سيبدأ الإنسان البدائي بنحت الحجارة إلى أدوات، وهكذا، يتطور عالمك الصغير إلى العصر الحجري .
العصر الحجري
في هذه المرحلة، وبينما تنتقل إلى الحضارة فئة 0.2 وما بعدها، تدرك طريقة التعامل مع النار واستخدامها لصالحك (مثل الطهي والتدفئة). تبدأ كذلك بارتداء الملابس والأشياء الأخرى التي تحميك من عوامل الطبيعية. وأخيراً، تتمكن
من تسخير الحيوانات واستخدامها كقطعان ووسائل نقل.
قد تستخدم إشارات الدخان للتواصل مع القبائل البعيدة كلما توسعت في أنحاء الكوكب. وستتطور ببطء من الاعتماد على الصور الطبيعية للطاقة إلى التلاعب بالموارد لاستخدامها.
العصر المعدني
مع استمرار تطور ثقافتك، ستبدأ في تسخير المعادن، ولكن الانتقال من العصر الحجري إلى العصور المعدنية يستغرق وقتا طويلاً (استمر العصر الحجري على الأرض لمدة 3.4 مليون سنة تقريباً). ولكنك في النهاية ستتوقف عن استخدام تلك الحجارة، وتستبدلها بالنحاس والبرونز والحديد.
تحل الأدوات المعدنية محل الأدوات السابقة (وستصنع السيوف لقتل أعدائك، الأمر الذي سيُساعد كثيراً أثناء سعيك لكسب حقوق التزاوج وحماية أراضي الصيد، وإنشاء قيادة هرمية). كما سيحل الفحم أو النفط المُستخرج من الحفر المحلية، محل الخشب في نيران المخيمات.
بينما تتطور إلى مجتمع أكثر تقدماً، ستبدأ في بناء مبانٍ كبيرة تسمح لك بحجز الطاقة المائية وطاقة الرياح وتأسيس مدن تجعلك ترتقي للفئة 0.4.
العصر الصناعي
لا تستطيع المباني الكبيرة التي أُنشئت لحجز طاقتي الرياح والماء إلا أن تُنتج كمية ضئيلة من الطاقة. ولذلك وببطء شديد للغاية، ستنتقل إلى استخدام الوقود الأحفوري. وكما نعلم جميعاً، فالقليل فقط من النفط أو الغاز الطبيعي يُحدث تأثيراً كبيراً: كالثورة الصناعية. وبعد ذلك البخار والكهرباء.
ثورة الاتصالات
وبوجود الكهرباء تظهر أنظمة الاتصالات العالمية اللحظية، وأنظمة نقل سريعة للغاية (تُمكن الناس من قطع الكوكب في لحظة)، ناهيك عن الأسواق والأنشطة التجارية العالمية. وعندها يلوح فجر الثقافة العالمية.
تأتي الطاقة النووية بعد ذلك بقليل، وبما أن الطاقة الصادرة من الانشطار النووي أقوى بمليون مرة من تلك الصادرة عن التفاعلات الكيميائية، فهي تقرب المجتمع أكثر من أي وقت مضى إلى اختراق حدود هذا الكوكب.
الاختبار الحقيقي
في نفس الوقت الذي يمكن تسخير الطاقة النووية لتشغيل المدن وتوسيع الأسواق العالمية، يمكنها أيضاً تدمير أعدائك (ومعظم الكوكب في تلك العملية)، بينما تواصل الكفاح لكسب حقوق التزاوج وحماية أراضي الصيد وإنشاء قيادة هرمية. فإذا اجتازت البشرية هذا الاختبار، ستسيطر عندها على طاقة الكوكب وتتطور إلى الحضارة فئة 1، وهو مجتمع عالمي موحد قادر على السيطرة على كل الطاقة الشمسية التي تصل إلى العالم، والتلاعب بالطقس، وستبدأ في استخراج الطاقة من الأجسام الأخرى في الكون. أما إذا لم تجتز الاختبار، فسيتدمر المجتمع ويعود عصوراً للوراء. لذلك إذا كنا نريد التطور إلى ما هو أكثر من الحضارة فئة 0، يجب أن نكون ألطف مع بعضنا البعض، وربما نستثمر في العلم والتعليم.

أَكْتُبُ لَكِ عَلَناً

أمّي…لم يفرّقنا الموت.

باكراً في الحياة حضنتني؛

ومن ثمّ مددتُ يدي إليك في السموات

تغيّر التواصل وليس الحبّ… فذاك قد تكثّف في النواة.

لن تكون الساعة قريبةَ عندما يرتئي الخالق استرداد شعلته،

فأنا أتوق الى رؤية تلك البسمة الدافئة

وإلى سماع تلك النبرة الحازمة

والتمعّن بشخصيّتك الآسرة.

عندها، فقط، سأتيقّن من أنّني قمت بواجبي كاملاً عندما رعيت الأبناء.

أمّي، كنت ولا أزال أتحرّق شوقاً الى أوّل لحظة تتلامس بها عظامي بعظامك؛ في لحظةٍ يتجمّد خلالها الزمن ويرتعش فيها طيفي ويرتعد،

ومن ثمّ… من الرماد وإلى الرماد نعود.

لكنّ الحارس بادَر وتآمَر وحرَمني حتّى من ذلك الامتياز

عندما وطأت قدمه مثواك…

لذلك ها أنا أتضرّع للريح:

هبّي وبعثري وانشري ذرّاتي في رحاب المعمورة

فأنا… جزء من ذلك الغبار.

التفرنج ليس بهذه الأهمية

أنا متوغل في مثالية أصابتني نوعاً ما بالخيبة، وأحالتني إلى فئة أصحاب التصوّر  الذين يحوّلون الأفكار إلى وقائع.

وعلى الرغم من بعض المحاولات المشجعة، أدركت أن ليس باستطاعتي إحداث “التغيير” على نطاق واسع في وطني الأمّ، فانتقلت للعيش في الإمارات – لقد كنت بحاجة لأن أكون “براغماتياً.

وصلت للإمارات قبل عشر سنوات أحمل عقد عمل وأتحلى بآفاق مهنيّة مبشّرة. وكنت اشتري حاجيّاتي حينها دون أن أنظر لسعرها، وقد أصبحت “مادياً.

وبعد مرور عامين أطلقت عملي الخاص في البلد الذي سرّع تطوّري الفكري والمهاراتي، وأثار رغبة جامحة على الانفتاح العالمي، وكان لزاماً عليّ أن أصبح أكثر  “تفرنجاً.

وقمت بتصفية أعمالي في الإمارات، وانتقلت إلى أميركا الشمالية سعياً لدفع عجلة تطوري المهنيّ، واستسلاماً لمغريات الاستقرار  الدائم.

أميركا مرتع الديمقراطية وحكم القانون وفرص الأعمال، ومع ذلك فقد تركت لديّ شعوراً بالنقص على كافة المستويات تقريباً. وتميل كفة ميزان العمل/الحياة بوضوح نحو الأوّل،  لكن الأدهى كان اكتشافي أن الضمانات الأخلاقية والحضارية شبه مفرّغة المضمون.

وما لم أكن مخطئاً فإن سفراتي في معظم أنحاء نصف الكرة الغربي قد سلّطت الضوء على الفراغ الجاثم على القيم الاجتماعيّة والدينيّة فيها، وعلى المجتمعات التي لا قيادة لها، الغارقة في الاستهلاكية، وفرط التنظيم، والأهداف المهنيّة الماحقة؛كما بنخب السياسة والأعمال المهووسة بالتزلّف عبر تقديم الخدمات إلى قواعدها الشعبية بأي طريقة ممكنة وبأي ثمن كان.

وبغياب الالتزام الراسخ بمنظومة معتقدات المجتمعات الغربية، وجد “الانحلال الحديث” (على حدّ تعبير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين) طريقه للتغلغل. على المستوى الفردي، يبدو  أن أي “معتقد جديد” أو مبرّر ذاتيّ يؤمن به المواطن الغربي بشدّة يتحوّل  إلى حقيقة بنظره. وامتداداً، وعلى المستوى الكليّ، فإن الغربييّن يفترضون أن البشر لا يرغبون بشيء في الحياة أكثر من حياة مريحة، حيث الرفاه والبحبوحة والسياسة تتمحور حصرياً حول حمايتهم وتأمينهم. إن ليبراليّتهم ورأسماليّتهم وبراغماتيّتهم لا تملك شيئاً أوسع وأعمق، ولا تحظى بأي روحيّة، حرّية، مصداقيّة أو شجاعة تستحقّ اتخاذ موقف بشأنها.

لم يعد هناك وجود لأدوات التشخيص الديني، ومعايير الكمال التي ينبغي للناس التماهي بها، كما  لعلامات القياس التي تظهر مدى وقوع الناس في الخطأ والخطيئة. وفي ظل غياب التوجّه والهدف الأخلاقيّين، فإن القوى الظلامية تستحكم، وينخر انزلاق الغرب في تيار العولمة الحرمات الثقافية، التي تشكل آخر وأهم المعاقل التي تحول عائقاً بين الكبرياء والتواضع، والادّعاء والصدق والجهل والحكمة.

وتغيب عن الغربيين الجوانب الأكثر أهمية لشتى الحضارات القديمة المذهلة، لأنهم ينظرون إليها من زاوية تيار الحضارات الغربية باعتبارها الأكثر تقدماً. لكني أرى أن الغربيّين يتبعون أسلوب حياة قائم على فرديّة قاسية خالية من أيّ أثر  للرحمة. ولا يغدو مفاجئاً في ذلك العالم الساحق روحياً، الحافل بالضغوطات المتعنّتة، والفرز العاطفي والروحي، ملاحظة سعي معظم المواطنين الغربييّن لاتباع كافة أنواع النزعات العبثية تحاشياً لمزيد من الضغوطات والقيود. وتحفل مجتمعات الغرب على اختلاف مشارب حياة أفرادها وبمعزل عن الطبقة والدخل والعمر والمستوى التعليمي بعيوب متعاظمة تشكّل انتهاكاً للمبادئ والقوانين كتعاطي الممنوعات، والعنصريّة، والعنف، والإسراف في الشرب، والجشع، وكره الأجانب، وغياب التسامح الديني، والقتل الرحيم، ذلك على سبيل المثال لا الحصر.

ويتبدّى أنّ حملات التوعية والإدراك ومساعي الجهات الخاصة والرسمية للتصدي لتلك الظواهر  تحظى بتأثير وتغطية محدودين. وعادةً ما تنزع مجتمعات الغرب على نطاق واسع لأن تقوم بالأعمال الخيرية  في العلن لكسب الثناء، وتخفق في الواقع في الاعتراف والإعلان عن سوء أعمالها والتوبة.

أضف إلى ذلك إغفال شعوب الغرب عن إحجام الحضارة الشرقية الأكثر  رشداً، وعمداً، عن ترجيح كفّة الأهداف الاقتصاديّة على الأعراف الاجتماعية والثقافية. فعلى الرغم من الأصول الماليّة والتقنيّة والاستخباراتيّة والبشرية الهائلة المتوافرة لهم، كان صنّاع القرار والمحلّلون الغربيّون، ولا يزالون على الأرجح مخطئين ومضلَّلين فيما يتعلق بالسياسات الدولية والفروقات الثقافية بين الشرق والغرب. وينصِّب هؤلاء أنفسهم، معزَزين بإحساس مبالغ به بالاستقامة الذاتيّة والتعامل في غالب الأحيان مع دول متخاذلة انهزاميّة، كحرّاس للأمم الأخرى. وأعتقد أن ما يسمى بالتعدّدية الثقافيّة في أوروبّا وبقيّة الغرب لم تفشل، بل إن الماديّة الوحشية والأحاديّة التفكير كانت ولا تزال، تعمل على تهميش أجيال المهاجرين.

أما بالنسبة للشعوب التي لا تملك شيئاً أكبر وأكثر عمقاً ولا تتمتّع بروحيّة تستحق اتخاذ موقف بشأنها، فإنه لا يفاجئنا كثيراً أن تستمر الدول الصناعية في خذلان كل من يراهن أو يتّكل على الغرب للحصول على المساعدة. ولا بدّ لأيّ شخص أو كاتب في المقام الأول أن يعيش ويختبر ويتعمق ليتوصل إلى فهم السبب الذي يحيل شعوب الغرب وسياسييه متقلّبين متذبذبين.

ويمكننا لحسن الحظ النظر إلى الشرق من أجل بدائل أفضل عن أسلوب حياة الغرب. فالمجتمعات الشرقيّة تقيم توازناً صالحاً بين الأعراف الأخلاقيّة والاجتماعيّة الصحيّة دون أن تبطّل غايات الشركات والأعمال.

وتشكّل الهند التي تعتبر الديمقراطية الأكثر اكتظاظاً بالسّكان على وجه الأرض، قوة صناعيّة أساسية، وتحقق قفزات هائلة في النمو. وتخضع هذه الأمّة لتغيّرات هامّة على الصعيد السياسي والاقتصادي والتكنولوجي والاجتماعي، وتصون في الوقت عينه هويّتها الثقافيّة. وتشكّل التركيبة العائليّة ومزيج التقاليد المعقّدة التي يعتبرها البعض معرقلةً، أحد العوامل القليلة الحاسمة على الأرجح التي تتيح لهذه الحضارة أن تبقى راسخة وصدوقة، وأن تتحوّل ذاتيّاً لتشكّل علامة عالمية متفردة تركت تأثيرها العميق على امتداد العالم.

وعلى نحو مماثل، تعتبر اليابان، ثالث أكبر اقتصادات العالم، حضارةً آسرة متعدّدة الأوجه، فهي من ناحية متجذّرة في بوتقة تقاليد ضاربة في القدم تعود لآلاف السنوات، ومجتمع شاهد على تغيّر مستمر سريع الوتيرة، وتيّارات وتصاميم دائمة التبدّل وتقدّم تكنولوجيّ متواصل. وقد حافظت الأعراف الاجتماعية والفنون التقليدية والرياضات على الطابع الوطنيّ، والشرف والاستقامة، والهدف، والاستثنائية التي تشتهر بها اليابان.

وقد تفطّن فلاديمير بوتين لأسباب وغايات في نفسه إلى كشف الخطب الذي حلّ بالغرب. ويتسم الدور الأساسي للثقافة الروسيّة بتأمين الأسس للتوجّهات الروحيّة والأخلاقيّة. وقد تمسّك الروس بقوة بحقيقتهم ومعتقداتهم باعتبارها مفاهيم بغاية الخصوصية. الصداقات حقيقيّة، أمّا الوقت والمال فذات أولوية متدنّية عن بقيّة المجتمعات. وعلى الرغم من التمترس خلف غشاء صلب، يتبيّن أنّ الثقافة الروسيّة الحقيقية ظاهرة فريدة، سيما فيما يتعلّق بالثقة .

وتندرج الصّين على قائمة أمم الشرق الأخرى الأكثر الأوتوقراطية المعتمدة على ذاتها ، التي نجت من أفخاخ عسل الثقافات الغربية لتحقق مستويات مقبولة من النجاح ولو بشكل متفاوت.

إن الغرب أكثر حاجة إلينا مما نحن إليه، سيما لناحية الدول المنتشرة في الغربي المتّكلة بشدة على الموارد الطبيعية للشرق، وثرواته القومية، ومقدّراته الفكرية والعلمية، وأسواقه الاستهلاكيّة وتراثه الثقافيّ العالميّ. يتسّم التفرنج بأنه على قدر من الأهمية، لكنه ليس بالشيء العظيم، ولا بدّ في الواقع من التعامل معه بتوجّس وبجرعات محدّدة.

لكلّ ثقافة حسناتها وسيئاتها، لكنّنا إذا وضعنا هذه الحقيقة جانباً، نجد أن غالبيّة الدول الغربية تتمتع بقيم مادية ساحقة على نحو لا يصدق.

وتحظى الاقتصادات الشرقيّة والعربيّة على وجه الخصوص بالمصادر المطلوبة كرأس المال والمهارات، مما يدفع للسؤال لماذا لا نستخدم عموماً مقدراتنا بالشكل المفروض.

لقد حقق الغرب قفزات ونجاحات في مجالين أساسيين: قبول المخاطرة، والحوكمة الجيدة. وهاتان الصفتان اساسيتان لتشجيع الابتكار تطبيق مبدأ المحاسبة او المكافأة على المستويين الفردي والمجتمعي. وإني لا أرى أية عوامل نجاح أخرى لا نحظى بها نحن الشرقيين وبوفرة. وكلا الصفتين هما ضمن المقدرات الإنسانية التي يمكن استغلالها على الدوام على افتراض أننا نملك إرادة السلطة الكافية. ينخرط الغربيون في أية مهمة تعطى لهم بطرق ممنهجة ومنظّمة ويتقبّلون درجةً عالية من الشك (على مبدأ أنه لا نجاح دون مخاطرة).

ودعونا لا نبتعد كثيراً، فننظر بعين التقدير إلى الإمارات العربية المتحدة وندرك إلى أي مدى يمكن للعالم العربي أن يصل، بوجود الإرادة السياسية. وقد دفعت الرؤية الواضحة والإرادة الصلبة الإمارات إلى مصاف أرقى الدول المتقدمة. فالحكومات الإقليميّة والاتحاديّة، والفعالية في عالم الأعمال، والشفافيّة وانعدام الفساد، والاقتصاد المزدهر، والأمن المستتب، والبنى التحتية التنافسية، والقيادة الرشيدة، تلغي أيّة أفق قد تحدّ ما يمكن للبلد تحقيقه: وتشكّل شركة خطوط طيران الإمارات مفخرة قطاع الطيران العالمي.

أصبحت الإمارات خليّة تقدّميّة الفكر ومصدر إلهام الانهزاميين في المنطقة. وتمتلك البلاد الأدوات الكافية لتحديد الثغرات وبناء الهيكليّات، والأهم أنها تملك اليوم أدوات الادارة.

لقد سبق للإمارات أن عدّلت قوانين اللعبة وقواعد إتمام العمل.